السيد عبد الأعلى السبزواري
49
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
متداركة بعضها فوق بعض كالدرج ، إلّا أنّ الأخير يقال باعتبار الصعود والدرك باعتبار الهبوط ؛ ولذا كانت للجنّة درجات وللنّار دركات ، وفي حديث الدعاء : « أعوذ بك من درك الشّقاء » ، والجمع أدراك - وهي منازل في النار - وقيل أدرك كفلس وأفلس . وتدلّ الآية المباركة على وجود طبقات ومنازل للنار ، وهي سبع : تسمّى الأولى جهنم ، والثانية لظى ، والثالثة الحطمة ، والرابعة السعير ، والخامسة سقر ، والسادسة الجحيم ، والسابعة الهاوية ، وقد تسمّى جميعها باسم الطبقة الأولى كما يسمّى بعض الطبقات باسم الطبقة الأخرى ، ولفظ النار يجمعها أعاذنا اللّه تعالى بلطفه ورأفته وجميع المؤمنين برحمته وكرمه منها بحقّ محمّد وآله الأطهار وإنّما استحقّ المنافقون الدرك الأسفل ؛ لأنّهم شرّ أهلها ، وقد جمعوا بين الكفر والنفاق واتّصفوا بصفات موبقة ومهلكة أفسدت عليهم فطرتهم ، وجعلت أنفسهم أخسّ الأنفس وأرداها فاستحقّوا بها هذه الطبقة من النار كما حكي عنهم عزّ وجلّ في الآيات السابقة ، فإنّ واحدة منها تكفي في استحقاق النار ، وتدلّ الآية الشريفة على تناسب الجزاء مع العمل . قوله تعالى : وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً . إرشاد إلى استيلاء النفاق على جميع مشاعرهم وتنبيه إلى أنّ النفاق يوجب انقطاع العصمة بينهم وبين كلّ شفيع ونصير يخرجهم من النّار أو يخفف من عذابها . ويمكن أن تكون الآية الشريفة بيانا لقوله عزّ وجلّ : فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا في الدنيا والآخرة فالنصير من السبيل الّذي نفاه عزّ وجلّ عنهم ، فإنّ اللّه تعالى لم يوفقهم في الدنيا للهداية وكسب المكارم ولم يجعل لهم نصيرا ينصرهم من عذاب اللّه عزّ وجلّ . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا . استثناء عمّا سبق ذكره في النفاق والمنافقين والوعيد الّذي ذكره عزّ وجلّ فيهم . وقد اشترط تعالى للرجوع عن النفاق شروطا ثقيلة لم تذكر في غيره من